من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الأحد، 21 مايو، 2017

مهرجان الشمندور بضيعة "بَيْتَين وتنّور"




استيقظ مختار قرية "بيتين وتنّور"، ولم يجد ركوة القهوة إلى جانب سريره. انشغل باله على المختارة، فنفض عنه اللحاف وقام ليبحث عنها. وجدها إلى طاولة المطبخ، منكبّة على الكتابة وتختيم الأوراق بختمه الرسميّ.
الطنجرة فوق النار، والصحون نظيفة، وكلّ شيء في مكانه، فالمختارة إذًا بخير.
سألها حين لم تعره اهتمامًا: شو عم تعملي مختارة؟ شو فيه؟
أجابت من دون أن تلتفت إليه: قرّرت أعمل مهرجان بالضيعة!
اضطرب المختار وقال في نفسه: جنّت المختارة. ثمّ ملأ الركوة ماء ووضعها على النار، وهو يسألها بلهجة محايدة كي لا يثير حفيظتها: مهرجان شو من غير شرّ؟
مهرجان الشمندور! أجابت المختارة بكلّ جدّ ووقار.
أفلت المختار قهقهة مدويّة، فتركت المختارة ما كانت تفعله ونظرت إليه مليًّا قبل أن تجيب: شوف مختار! تمسخر قدّ ما بدّك. أنا اخترتك ومخترتك، بس خلصنا! من وقت ما استلمت الختم، ما عملت شي ينفع الضيعة، والبلد كلّو مليان مهرجانات، وما في مرتْ مسؤول إلّا ما عملت مهرجان وتريّشت وتريّست. وبما إنّو ما حدا أحسن من حدا، رح أعمل مهرجان تكريم لبقرتنا "عيّوقة" ورح يكون إسمو مهرجان الشمندور.
     ارتمى المختار على الكرسي المواجه، وفي باله فكرة واحدة: ماذا يفعل أمام حالة زوجته العصبيّة؟ لكنّه تماسك وقال وهو يقلّب عينيه بين الأوراق التي تعلن فيها المختارة عن مشروعها:
-      يا مرا شو صرلك؟ بدّك تضحّكي الناس علينا؟ حدا عاقل بيعمل مهرجان بضيعة آخر الجرد وما فيا غير بيتين وتنّور؟
قاطعته المختارة: لو كنت مختار شاطر كان صار التنّور معلم أثريّ بيجيب السوّاح...
بهت الرجل، لكنّه تابع: بلا جنون دخيل ربّك عند هالصبح. مهرجان قال، مهرجان الشمندور كمان... ليش مين رح يفهم شو يعني الشمندور أصلًا؟ تخيّلي مذيعات التلفزيون عم يتحزّروا شو يعني الشمندور... اعملي قهوة وبلا هالمسخرة...
صرخت به زوجته: بعد ناقصني إعتل همّ مذيعات التلفزيون! ليش هنّي بشو بيفهموا أصلًا... بعدين واجباتنا نعلّم الناس التراث، والشمندور من التراث...
حاول الرجل أن يكتم غيظه، وقال مسايرًا: طيّب. فيي إفهم منين طلعتلك هالفكرة؟
استقرّت المرأة في كرسيها وهي تطمئن نفسها إلى أنّ زوجها بدأ يقتنع بالفكرة:
-      نسوان الزعما من وقت زلفا شمعون بيعملوا مهرجانات، وأنا مش ناقصني شي ت أعمل مهرجان غير شكل، يحكي عنّو البلد، ونعرّف الناس ع ضيعتنا، حتّى نحرّك العجلة الاقتصاديّة فيا.
-      هلأ، بقرتنا "عيوقة" يللي بالكاد فيا تحرّك إجريا، صار مطلوب منها تحرّك العجلة الاقتصاديّة؟ وضيعتنا يللي كلّ ولادها نزحوا عنها، وأوّلن ولادنا، بدّك ياها تصير حديث الناس؟ شو جنّيتي؟ بعدين يا مرا عم تحكي عن زلفا شمعون إنتي؟ ما نحنا عم نتمسخر ع نسوان النوّاب والزعما المفكّرين رجالن متل كميل شمعون يللي بني المدينة الرياضيّة بنصّ بيروت مش بضيعتو، ومرتو عملت معهد للعميان متل ما عملت مهرجانات بعلبك...
-      والله مختار ما بها شي معلوماتك!!! مش هيّن حضرتك!!! بس بكون مجنونه إذا بتركك تغيرلي مشروعي. ما رح ردّ عليك.
-      طيّب ليش ما بتعملي شي تاني ما خصّو بالمهرجانات وهالمسخرة، اعملي شي عن الزباله، ما البلد كمان مليان زباله مش بس مهرجانات...
-      ومين قلّك ما فكّرت؟ رح أعمل مهرجان الصيصان للأولاد...
-      شو؟ وشو خصّ الصيصان بالزباله والأولاد؟
-      الله يساعدني عليك، بدّي ضلّ إشرحلك... منعلّم الولاد إنو الصيصان بياكلو الزباله العضويّة، وهيك منعمل بطاقة الدخول كيس زباله من بقايا الأكل..
هبّ المختار عن كرسيه هبّة عنيفة، فوقعت كرسي المخترة. وصرخ بزوجته:
-      نشّفتي دمي ونشّفت المي بالركوة، قومي اعملي قهوة، هيدا يللي بينفعك هلأ. بلا مهرجانات بلا بلّوط. ورح إحكي ولادك يجوا ياخدوك عند شي حكيم... بعد ناقصني بهالآخرة إحكي كلمة بمهرجان الشمندور والصيصان!!
-      غلطان مختار! إنت ما رح تحكي شي! أنا المشرفة ع المهرجان، وأنا يللي رح وصّي ع فستان وإطلع إحكي، ليش يللي عم يطلعوا يحكوا أحسن منّي... شوف نسوان المخاتير حوالينا مْرات وحيد ومْرات سعيد ومرات سليم ومْرات نبيل،  كلّن عملوا مهرجانات وكلّن ربيوا ع الشمندور، وليك اسم الله وين صاروا، وين الغلط نذكّرن بطفولتن؟... بعدين متل ما في مهرجان للكرز والتفّاح والزهور والجنارك، لازم يكون في مهرجان للشمندور! هيك قرّرت...
-      وأكيد بدّك تنقّي مطربه تغنّي بالمهرجان، مين من غير شرّ اخترتي؟
-      نسيت إسما، هيدي يللي نافخه حالا وما بتعرف تغنّي بس بتجيب ناس!
-      حلو كتير! يعني "عيّوقة" وإنتي والمطربه، وولاد حاملين زباله وعم يغنّوا للصيصان، مش ناقص غير حمار متلي ينعزم ع العرس!
-      إيه مختار! بس مش أيّا حمار! حمار بختم رسميّ! بتفرِق منيح...

السبت، 20 مايو، 2017

مجلّة "البراعم" العدد الأوّل كانون الأول 1993



من مواصفات العدد الأوّل من مجلّة "البراعم" التي أسّستها في مدرسة الحكمة برازيليا:

- غلاف العدد "كولاج" تقدمة من مارون القصّيفي
- عدد الصفحات 24، اثنتان منها للغة الفرنسيّة

- مسرح المراهقين: فكرة سبقت أيّ إنتاج تلفزيونيّ أو مسرحيّ خاصّ بهذه الفئة العمريّة

























الأحد، 7 مايو، 2017

الشاعر قحطان السعيدي يكرّمني بكلمته: ماري القصيفي .. أيقونة فينيقية في ذرى الأرز

يعجز قلمي عن شكرك قحطان السعيدي... 
ففي زمن يحاربُ فيه فنّانٌ فنّانًا آخر، ويعتّم ناقد على شاعر، ولا يكتب أديب عن آخر إلّا ليتّهمه بسرقة الأفكار، شرّفني الأستاذ قحطان السعيدي بكلمة فاجأتني بإحاطتها وعمقها ومجّانيّة عطائها، وكلانا لا يعرف الآخر سوى من كلماته
قد لا أعرف كيف أشكرك أستاذ السعيدي، ولعلّك لا تنتظر شكرًا، لكنّي أشكر هذه الوسيلة في التواصل التي، وإن تخوننا مرّات، تصلنا غالبًا بمن لنا شرف معرفته.




ماري القصيفي .. أيقونة فينيقية في ذرى الأرز قحطان السعيدي حين تتصفح كتابها ."أحببتك فصرت الرسولة"، تستحضر روحها فتجدها القديسة المتبتلّة في عالم اللاهوت تتلاقح افكارها مع العشق الالهي ومكنونات القيم الانسانية، وهي تتجلى في عالم التصوف حتى تمازج افكارها الانسانية مع عشق الرب بنبرة صوفية كأنها من تلامذة محيي الدين بن عربي او جلال الدين الرومي. تكتب حتى ينساب من قلمها أدب حر وابداع ثرّ ...ترى نعم الحياة ومتعة العارف بمكنونات صفاء الروح، حتى وسط ركام الدمار وتحت أزيز الرصاص، تصف الحرب حتى تقول انها محطة زائلة وستنبت كل قطرة دم سنبلة ووردة. تتعاشق مع الصليب رمزا ابويا للتضحية والفداء من اجل غد أفضل مؤمنة باللاهوت والأقدار حتى تعانق الآلهة لتنجب الامل والعطاء. أنثى لا ككل النساء "إلا حبيبتي"، تعشق روح القبلة وترقب اللقاء بدقات قلب لموعد لم يكتمل، او تمارس قداسة العبث الطفولي والعتب الصبياني في رحاب الآلهة وبين أركان القصيدة حين تقول: "يا إله الغضب في الهيكل الرخام اجعلني رحيمة في لعنتي: فلتسقط الابتسامات عن وجوه عارضات الأزياء الغبيّات ولتسقط اللوحات النادرة عن جدران المتاحف الآمنة ولتسقط الجدران على رؤوس الأموال المجمّدة ولتسقط الأقنعة عن وجوه العشّاق الحائرين ولتسقط الأبراج المزروعة في الرمل الحاقد ولتسقط النيازك والنجوم والكواكب والأقمار ولتندم السماء على ما فعلته حين لم تدفن آدم وحوّاء تحت شجرة التفّاح ولينفجر قلب الأرض الذي ناء بريائكم ولتجفّ الأنهار التي لوّثتموها بأقذاركم ولترمَ هذه الكرة الزرقاء الدائرة حول نفسها كالمجنونة إلى جوف الجحيم فيركلها الشيطان إلى نار حقده تحت أنظار إلهٍ ندم لأنّه استراح في اليوم السابع ولم يمحُ مسودّة الخلق التي خربشها في لحظة شعر!" شاعرة وكاتبة، ناسكة متمردة، وحرة مقيّدة كأنها تجمع المتضادات تكتب للموت والميلاد والظلام والضياء كأنها على خطى السياب حين يكتب التضاد في أنشودة المطر: "والموت والميلاد والظلام والضياء فتستفيق ملء روحي نشوة البكاء كنشوة الطفل اذا خاف من القمر كان اقواس السحاب تشرب الغيوم" وها هي اقواس ماري القصيفي مشرئبة تبتلع الحزن وتعزف للحياة لحنا خالدا، يتماهى مع لونها الفينقيّ وقدرها اللبناني، بروح إنسانية وثبات فكري يدندن في ربى لبنان معزوفة الخلود. ماري القصيفي أيقونة خجلى لامرأة ثكلى بنواح العارفة العابثة والعاشقة المتمردة والروح المرتدة السابحة في بحور العشق الالهي المغمس بعطايا الرب. إنه لمن الغرابة ان تقوم مدرسة في زوايا لبنان وتلامذة أفاضل بطقوس الفرح لمعلمة جليلة في اروقة المدرسة، ولم نجد تلك الاحتفالية بتجمع جماهيري يضم النخبة الفكرية والأدبية في شارع الحمرا وسط بيروت لتكريم كاتبة تناغمت مع الكلمة حتى صارت بيرقا وتراقصت مع القصيدة حتى صارت لحنا خالدا.

الجمعة، 5 مايو، 2017

مجلّة "البراعم" زمن أسّستها في آذار 1989 (العدد التجريبيّ)

العدد التجريبيّ الأوّل من مجلّة "البراعم" التي أسّستُها
في مدرسة الحكمة برازيليا
وقبل الكمبيوتر


افتتاحيّة العدد بقلم رئيس المدرسة عهدذاك الأب مرسيل الحلو

اللقاء الصحافيّ الأخير مع الأديب توفيق يوسف عوّاد
قبل مصرعه في خلال القصف على السفارة الإسبانيّة في بعبدا


رانيا غاوي وبداية عملها في الصحافة
هي اليوم رانيا غاوي غصيبة  (إذاعة لبنان الحرّ)

 توفيق يوسف عوّاد كان يرغب في أن تأتي المعلّمة (التي هي أنا) مع التلامذة

دراسة عن مسرحيّة جبال الصوّان لتلميذ كان في صفّ "البريفيه"



الأحد، 30 أبريل، 2017

مواجهة الحياة (النصّ الرابع والثلاثون من كتابي رسائل العبور - 2005)


مع بداية كلّ نهار، تسأل نفسها عن سرّ رغبتها في البقاء والاستمرار.
تستيقظ تعبة وتكاد لا تجد القوّة الكافية لتغادر السرير. وعندما تفعل ذلك أخيرًا وتجلس منحنية مهزومة تكتشف أنّ سلسلة الأعمال التي عليها القيام بها في هذا اليوم تلتفّ حولها وتكبّل حركتها وتخنقها.
تعرف أنّها بعد قليل ستواجه وجهها في المرآة وستكتشف أنّ يومًا آخر ينتظر كي يمتصّ ما تبقّى من طاقتها وشبابها. وبعد ذلك يكمن لها أفراد عائلتها مسلّحين بطلباتهم المختلفة، عارضين عليها شؤونهم وشجونهم، صارخين غاضبين محتجّين، كمجموعة من المعارضين المتظاهرين لا يريدون إلّا تحقيق مطالبهم. ثمّ ستخرج إلى الشارع حيث تحاصرها زحمة السير وتصمّ أذنيها أصوات الباعة وأبواق السيّارات، قبل أن تصل إلى عملها مرهقة يائسة حزينة. تنظر إلى الساعة، إنّها الثامنة والربع صباحًا. فجأة يصفعها السؤال المخيف: كيف ستنجح في العبور إلى الضفّة المسائيّة لهذا اليوم الطويل؟
ومع نهاية كلّ نهار، تكتشف أنّها نجحت في البقاء والاستمرار، واستطاعت أن تحتمل التعب والركض والمنافسة والخبث، والحرّ الخانق والبرد الشديد، والأزمة الاقتصاديّة والتصريحات السياسيّة، وبقيت على قيد الحياة في انتظار يوم جديد من دون أن تعرف كيف، ومن دون أن تعرف لماذا.
لا تعرف أيّ إيمان يدفعها إلى الحياة. أهو الإيمان بالله الذي تظنّ أحيانًا أنّه لا يريد ان يسمعها؟ أم إيمان بالإنسان مع أنّها تعجز عن التواصل معه؟ أم إيمان بالوطن الذي يخذلها مرّة بعد مرّة ويدفعها دفعًا إلى التفكير في هجره؟ أم هو الإيمان بقدرتها على مقاومة كلّ هذه الشكوك لأنّ ثمّة من يحتاج إليها؟
بدأت تعتقد أنّ الذين يقرّرون الرحيل أو الغياب أو العبور إلى الأماكن الأخرى هم المقتنعون بأنْ لا حاجة إلى وجودهم/ هنا/ الآن/ في هذا المكان/ وفي هذه اللحظة، وبأنّ الآخرين يستطيعون إكمال حياتهم من دون الاستعانة بهم أو التبرّك بوجودهم أو الاغتناء بحكمتهم أو التفاؤل برؤيتهم أو الفرح بلقائهم، فاتّخذوا قرار العبور حين اكتشفوا فجأة أنّ بقاءهم ورحيلهم متساويان في القيمة والهدف، وأنّ الشمس ستشرق وتغيب سواء وجدوا أو غابوا، وعندئذ يستسلمون لرياح الرحيل تحملهم إلى حيث تشاء.
حاجتهم إليها! حاجتهم إلى وجودها! المسؤوليّات التي اختارت أن تحملها، الأهداف التي رسمتها، الوجوه التي تحبّها ضاحكة، الأشخاص الذين تريدهم معافين وأصحّاء وأقوياء، كلّ ذلك يدفعها إلى الاستمرار والبقاء، فتغادر تعبها صباحًا، وتخلع نعاسها، وتغسل وجهها وجسمها من آثار الهزيمة، وترتدي ثوب الحياة الجديدة لتستقبل نهارًا آخر بعدما غاب، ولو إلى حين، ليل القلق والشكّ، ثمّ تفكّر في المساكين الذين لا يحتاج أحد إلى وجودهم، وينتظرون في لهفة شمس الاهتمام لتشرق عليهم.

السبت، 29 أبريل، 2017

الحصاد التربويّ (2009)

هل نربّي على الحقّ والخير والجمال؟

ما لم تستقم أمور التربية والتعليم في بلادنا فعبثًا نكتب ونخطب ونصرّح ونطالب! القضيّة كلّها تبدأ من على مقاعد الدراسة حيث يتمّ إعداد الصبيان والبنات ليكونوا رجال الغد ونساءه. ولكنّ نظرة سريعة على ما نعلّمه في مدارسنا تظهر طبيعة التناقض الذي يقع فيه التلاميذ.
نعلّم التلاميذ مثلاً الغزل ونعرّفهم تحديدًا على مدرستين في هذا الفنّ انطلقتا في العصر الأمويّ، فنقول لهم إنّ هناك نوعين من الغزل: العذريّ أو البدويّ أو العفيف، والإباحيّ أو الحضريّ أو العُمَريّ، ونعطيهم نصوصًا لجميل بن معمر زعيم المدرسة الأولى، وعمر بن أبي ربيعة زعيم المدرسة الثانية. ماذا يستنتج التلاميذ بعد هذين الدرسين المهمّين إن لم يجرؤ المعلّم على فتح آفاق جديدة؟ أن لا خيار ثالثًا في الحبّ، فإمّا أن تكون - كجميل - هائمًا في الأرض، مهووسًا بامرأة أصبحت لسواك، مريضًا ومرذولاً وهاربًا من أحكام المجتمع آنذاك، أو أن تكون – كعمر – "نسونجيًّا" تتنقّل من امرأة إلى أخرى وتهوى المغامرات الليليّة والتنكّر في ثياب النساء للهرب من منزل إحداهنّ، وتستغلّ المناسبات الدينيّة لاصطياد الفتيات والمتزوّجات. عظيم! كلّ هذا موجود ومن طبيعة الحياة، ولكن ماذا عن الخيار الثالث؟ ماذا عن الحبّ "الطبيعيّ"، ماذا عن احترام المرأة وعدم التشهير بها وعدم استغلالها وعدم خيانتها؟ ماذا عن النظر إليها ككائن حرّ ومستقلّ يرفض أن يعبد ويوضع على منصّة عالية حيث لا تطاله أيدي البشر، أو أداة متعة ومصدر وحيّ؟ وهل نعتب بعد ذلك على تلاميذنا إن بحثوا عن أنواع الحبّ الأخرى في أماكن أخرى وعند حضارات أخرى؟
ونطلب من تلاميذنا أن يعبّروا عن آرائهم ويدافعوا عنها بتقديم البراهين والأمثلة والحجج، ونحثّهم على الكتابة في مواضيع الإنشاء عن آمالهم وطموحهم ومشاريعهم، ونحاسبهم بحسم علامات إن قصّروا في ذلك. ولكن عندما يكبرون ويحاولون أن يعبّروا بالأسلوب البرهانيّ نفسه عن آرائهم وأفكارهم كممنا أفواههم وزججنا بهم في السجون، وأدرنا عليهم خراطيم المياه لتبديد شملهم وتبريد عزائمهم. فكيف سينظر التلميذ بعد ذلك إلى معلّمه الذي كان يطرح عليه في درس الأدب والتعبير السؤال نفسه: ما رأيك في هذا القول؟
ونطالب تلاميذنا بالتقدّم من الشهادات الأجنبيّة الفرنسيّة أو الأميركيّة أو العالميّة لما تفتحه من آفاق أمامهم ولما تقدّمه لهم من معلومات حديثة ومنهجيّة علميّة، ولكنّنا في الوقت نفسه نعمل في حصّة الدين على محاربة ما تعلّموه في حصّة العلوم والفلسفة، وفي ساعة التاريخ العربيّ على تصحيح ما تعلّموه في حصّة التاريخ العالميّ، ونعلّمهم كيف يكتبون في الشهادات الأجنبيّة ما يلائم هذه الشهادات، وفي الشهادات المحليّة الوطنيّة ما يلائم واقع الحال المحليّ. أيّ خبث هذا؟ وأيّ كذب؟ وأيّ استهتار بعقول المراهقين؟
وندعو تلاميذنا إلى تنمية قدراتهم الفنيّة والرياضيّة ونقنعهم أن لا صحّة بتاتًا لمقولة: موادّ أساسيّة وموادّ ثانويّة، وأنّ الإنسان كائن متكامل وعليه أن يولي الآداب والعلوم والفنون والرياضة الأهميّة نفسها، ولكنّنا عند حسم الأمور في آخر العامّ الدراسيّ، نهنّئ من نجح في الموادّ العلميّة ونرفّعه صفًّا، ونطرد الفنّان لأنّه مزاجيّ، والرياضيّ لأنّه لا يكفّ عن الحركة، والأديب لأنّه ليس بارعًا في الحساب.
والأدهى من كلّ ذلك أنّنا نثور لأنّ الخبث سيّد المواقف، ولأنّ الناس يكذبون ويتحايلون ولأنّ أوطاننا من دول العالم الثالث وما دون، ولأنّ تلاميذنا لا يملكون حسًّا نقديًّا ولا يعرفون حتّى أن يحلّلوا نتائج "ستار أكاديمي" و"سوبر ستار".
نحصد ما نزرع ولذلك فلن نحصد من مناهجنا التعليميّة الحاليّة إلاّ الغباء والاجترار والجبن.

الجمعة، 28 أبريل، 2017

رواتب آخر الشهر تقتل الشعر (2009)



1 - كان حكّام الأزمنة الغابرة يفهمون الشعر ويحبّونه فازدهر الشعر، ويوم أغلقت أبواب البلاطات أمام الشعراء وشرّعت أمام الكاميرات دون سواها تراجع الشعر، وصارت الأقلام معاول تحفر فتحات للنور والهواء والطعام في نفق الحياة الضيّق.
*****

2 - يعرف الشعراء اليوم أنّهم، في الوقت الذي قد يصرفونه على نظم القصيدة وتنقيحها وتصحيحها وتوسّل زاوية لنشرها، يكتبون عشرات المقالات للصحيفة، أو يقدّمون عشرات الحلقات التلفزيونيّة أو الإذاعيّة، أو يصحّحون مئات الأوراق لمئات التلامذة، أو يخلّصون معاملات آلاف المواطنين، وكلّ ذلك في سبيل تأمين رواتب آخر الشهر. فإذا كان السيّد المسيح قال: ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، فذلك لا يعني أنّ الشعر وحده يفعل.
*****

3 - من بين الشعراء المعاصرين، ارتبط اسم الشاعر سعيد عقل في شكل واضح وصريح بالإصرار على حقّ الشاعر في أن يعيش محفوظ الكرامة من ريع كتاباته والمقابلات التي تجرى معه. وقد نقلت عنه مواقف وآراء، قد يكون فيها شيء من المبالغة، تعلن أنّه لا يرضى بالكتابة مجّاناً ولو سطراً واحداً ولا بالظهور في أيّ برنامج ما لم ينل حقّه الماديّ كاملاً، غير أنّ الناس يتناسون جائزته الشهريّة التي كان يقدّمها من جيبه الخاصّ لمبدعين في شتّى المجالات. ولكنّ الآخرين ليسوا هو، وبالتالي لم يستطيعوا أن يفرضوا أنفسهم كما فعل، فكان عليهم أن يبقوا في وظائفهم أو أن يبحثوا عن عمل يؤمّن لهم راتباً يقيهم العوز، أو على الأقلّ كان عليهم أن يجاهدوا طويلاً، ويخسروا الكثير قبل أن يصلوا إلى المرحلة التي يقرّرون فيها متى وأين يكتبون وماذا يريدون مقابل إبداعهم.
*****

4 - لا تنفع المهرجانات في رفع شأن الشعر، ولا تستطيع الجوائز السنويّة أن تفي الشاعر حقّه، ولا يقنع أحداً القولُ إنّ المعاناة هي التي تحرّك قرائح الشعراء. الحريّة وحدها هي التي تنتج شعراً، وحين يتحرّر الشعر تتحرّر تلقائيّاً الفنون كلّها والإبداعات كلّها. الحريّة هي التي تجعل الشعر يثمر ويعطي ولا يختنق في أدراج سريّة. ومن دونها، من دون التحرّر من كلّ رقابة أو سلطة أو حاجة أو عوز أو دَين، لا يمكن أن يولد شعراء كبار، وعلى الأكثر سيكون عندنا موظّفون يكتبون مقالاتهم بطريقة شاعريّة.
*****


5 - خَلاصُ الشعر في أن تفهم السلطة ما يقوله الشعراء، لا أن يرضوا عمّا يقولونه أو يوافقوا على ما فيه. وأكاد أجزم أنّ الأنظمة التي تضطهد الشعراء هي الأنظمة التي لا تفهم ما يقوله الشعراء لا تلك التي تعترض على ما يقولونه. فالسلطة تفضّل إسكات الشعراء كي لا يفضحوا جهلها معاني الشعر، وصور الشعر، وموسيقى الشعر، ومضامين الشعر، ورموز الشعر. فقتل الشعراء أسهل من فهمهم.
*****

6 - ألا يخجل الشاعر من المطالبة بحريّة الوطن وهو عاجز عن تحرير نفسه من متطلّبات مديره في العمل؟
*****

7 - تعلّم الشعراء أنّ رواتب آخر الشهر موعدها آخر الشهر، ولا علاقة لها لا من قريب ولا من بعيد بموعد الوحي أو ساعة الإلهام. فالشعراء الذين كانوا من حملة الأقلام وأكثر الناس جهلاً بعلم الأرقام صاروا موظّفين من حملة الآلات الحاسبة ودفاتر الحسابات المصرفيّة.
*****

8 - بعض أصحاب الصحف يقول للشعراء: ادفعوا لنا كي ننشر قصائدكم لأنّنا نقدّم لكم فرصة نادرة للظهور في زمن استقالة الشعر من قيادة العالم. ومعظم الشعراء يقبل.
*****

9 - لا تتوقّعوا جائزة نوبل أيّها المبدعون العرب قبل أن تستحقّوا جائزة النبل.
*****

10 - تعدّدت اللغات والمضمون واحد.
*****

11 - ما نفع الشاعر إن كان في رأسه أكثر من بيت وليس فوق رأسه سقف واحد؟
*****

12 - قالت المرأة لزوجها الشاعر وهي تطلب منه الطلاق: خذ كلّ بيت كتبتَه وأنا آخذ هذا البيت!
*****

13 - حين وقّعتُ عقد العمل في المؤسّسة علمت أنّني لن أوقّع كتاباً جديداً.
***

* صحيفة "النهار" - الثلاثاء 17 تشرين الثاني 2009